ابن ميثم البحراني

98

شرح نهج البلاغة

بالنعم اللاحقة إلى أن يخرج كلّ كمال له بالقوّة إلى الفعل فيلحق بدرجة الكروبيّين ومجاورة الملائكة المقرّبين المعتكفين في حظيرة الجبروت ، وقد عرفت من هذا البيان أنّ كون هذه الأمور لازمة للحمد إنّما هو بجعل اللَّه تعالى ملاحظة العبادة يعين عنايته وشمولا لهم بسعة رحمته . قوله والصلاة على رسوله نبيّ الرحمة إلى قوله وقوى نجم طالع . أقول : أردف حمد اللَّه تعالى بالصلاة على رسوله محمّد صلى اللَّه عليه وآله وذلك من الآداب الدينيّة الَّتي استمرّت عليها العادة في الخطب وذكر له صلى اللَّه عليه وآله أوصافا سبعة . الأوّل كونه نبيّ الرحمة ملاحظة لقوله تعالى « وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ » وتفصيل هذه الرحمة من وجوه . أحدها أنّه الهادي إلى سبيل الرشاد والقائد إلى رضوان اللَّه سبحانه وبسبب هدايته يكون وصول الخلق إلى المقاصد العالية ودخول جنّات النعيم الَّتي هي غاية الرحمة . الثاني أنّ التكاليف الواردة على يديه صلى اللَّه عليه وآله أسهل التكاليف وأخفّها على الخلق بالنسبة إلى سائر التكاليف الواردة على أيدي الأنبياء السابقين لأممها قال صلى اللَّه عليه وآله بعثت بالحنيفيّة السهلة السمحة ، وذلك عناية من اللَّه ورحمة اختصّ بها أمّته على يديه الثالث أنّه ثبت أنّ اللَّه يغفر عن عصاة أمّته ويرحمهم بسبب شفاعته . الرابع إنّه رحم كثيرا من أعدائه كاليهود والنصارى والمجوس ببذل الأمان لهم وقبول الجزية منهم وقال : من آذى ذميّا فقد آذاني ولم يقبل اللَّه من الأنبياء الجزية قبله . الخامس أنّه سأل اللَّه تعالى أن يرفع عن أمّته بعده عذاب الاستيصال ودفع العذاب رحمة . السادس أنّ اللَّه تعالى وضع في شرعه الرخص تخفيفا ورحمة لامّته . الثاني كونه إمام الأئمّة أمّا صدق كونه إماما فلوجهين أحدهما أنّ الإمام هو الرئيس المقتدى به في أقواله وأفعاله والأنبياء عليهم السلام أحقّ الخلق بهذه الصفة إذ هم الأصل في ذلك . الثاني قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام « إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً » ( 1 ) وأمّا كونه إمام الأئمّة فلقوله صلى اللَّه عليه وآله آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة الثالث كونه سراج الأمّة ، وبيانه قوله تعالى « إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً ومُبَشِّراً ونَذِيراً وداعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسِراجاً مُنِيراً » ( 2 ) وهذه استعارة لطيفة له عليه السّلام فإنّ السراج لمّا كان

--> ( 1 ) 2 - 118 ( 2 ) - 33 - 44